الجمعة، 18 سبتمبر 2020

حكم الصلاة على السجادة التى فيها صورة الكعبة و المسجد النبوي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

 

حكم الصلاة على السجادة التى فيها صورة الكعبة و المسجد النبوي لسماحة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله
السؤال :
يقول : يوجد على بعض السجادات التى نصلي عليها صور خاصة بالكعبة والمسجد النبوي ؛ فما الحكم؟
الجواب :
ينبغي أن لا يصلى عليها لأن الوقوف على الكعبة والوطئ عليها نوع من الإهانة ، لا يجوز تصوير الكعبة على الفرش، وينبغي لمن رأها أن لا يشتري السجادة التى عليها صور الكعبة لأنها إن كانت أمامه قد تشوش عليه وإن كانت تحت رجليه فيه نوع من الإهانة فالأحوط للمؤمن أن لا يستعمل هذه السجادات.



حمل الصوتية من هنا
المصدر

بيان وتحذير من الاستعمال اللُّغويِّ الفرنسيِّ والْفْرُنْكُفُونِيِّ للفظ ''Coran'' معادلًا للفظ ''القرآن''

 بيان وتحذير من الاستعمال اللُّغويِّ الفرنسيِّ والْفْرُنْكُفُونِيِّ للفظ ''Coran'' معادلًا للفظ ''القرآن''

كتب البيان للمرَّة الأولى تعليقًا في كتابي "المصطلحات الدِّينيَّة الإسلاميَّة في اللُّغة الفرنسيّة"

(La terminologie religieuse de l’islam dans la langue française)، ص:155، طبع دار العلم والعمل للنَّشر والتَّوزيع، بجاية، الجزائر.

مراجعة وزيادة: 11رجب 1441/ 07مارس 2020.

أبو فهيمة عبد الرَّحمن عيَّاد البجائي


بسم الله الرّحمن الرّحيم،

فمسألة تعريف القرآن في اللُّغة الفرنسيَّة هي بمثابة قاعدة عامَّة، يبرز من خلالها استعمالٌ كأنَّه شبه إجماع لدى المَعْجَميِّين الفرنسيِّين، حيث أنَّهم يتَّفقون على شرح لفظ "Coran" في قواميسهم على أنَّه "كتاب المسلمين المقدَّس، جامع مواعظ وخطب مَهُومِي (!) (محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم)، ذات الطَّابع النَّبويِّ والتَّشريعيِّ في نفس الوقت، والذي يكوِّن قاعدة الحياة الدِّينيَّة والسِّياسيَّة للدَّولة المسلمة ذات الحكم الدِّينيِّ" اه. انظر على سبيل المثالLe TLF (Trésor de la langue française) :
(كنز اللُّغة الفرنسيَّة، وهو العمدة عند القوم، ويتألَّف من ستَّة عشر مجلَّدًا أو أكثر، بحسب الطَّبعات).

بينما في الواقع، فإنَّ التَّعريف الذي تبنَّاه المسلمون للفظ "القرآن" مخالف تماما للتَّعريف الفرنسيِّ، رغم أنَّ المسألة مسألة ترادف وتعادل لفظي بين اللُّغتين العربيَّة والفرنسيَّة.

ففي الاصطلاح الإسلاميِّ، فإنَّ تعريف لفظة القرآن يأتي على أنَّه:" كلام الله المنزَّل على النَّبيِّ محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم المكتوب في المصاحف، المنقول بالتَّواتر، المتعبَّد بتلاوته، المعجز ولو بسورة واحدة."[1]

وقال الشَّيخ العلّامة صالح الفوزان -حفظه الله تعالى-:" وأمَّا القرآن الكريم؛ فقد أنزله الله لكلِّ الأجيال من الأمم في كلِّ الأوطان إلى يوم القيامة، وتولَّى حفظه بنفسه؛ لأنَّ وظيفة هذا الكتاب لا تنتهي إلَّا بنهاية حياة البشر على الأرض..."[2]

وقال أيضا -حفظه الله- :" بعد أن تؤمن بالله عزَّ وجلَّ، وتؤمن برسوله -صلّى الله عليه وسلَّم-، تؤمن أنَّ القرآن كلام الله؛ لأنَّ هذا هو الذي جاء به الرَّسول -صلّى الله عليه وسلَّم-، وأنزل الله عليه القرآن، وهذا القرآن ليس من كلام محمَّد -صلّى الله عليه وسلَّم-، ولا من كلام جبريل، إنَّما هو كلام الله عزَّ وجلَّ، تكلَّم الله به، وتلقَّاه جبريل من الله، وتلقَّاه النَّبيُّ -عليه الصَّلاة والسَّلام- من جبريل عليه السَّلام، وتلقَّته الأمَّة من النَّبيِّ -صلّى الله عليه وسلَّم-."[3]

فيلاحظ القارئ الكريم جليًّا أنَّ هذه الشُّروح تدلُّ على وجود فوارق عميقة في المعنى بين التَّعريف المستعمل لدى المسلمين والتَّعريف الذي يقدِّمه المعجميُّون الفرنسيُّون في قواميسهم وينشرونه بين قرَّائهم.

فَكَوْنُ الوحدة الاصطلاحيَّة "Coran" اقتباسا من اللُّغة العربيَّة، أدَّى ذلك إلى أن تتلقَّى تحويرا معنويًّا فاحشا غير مقبول لدى اللُّغة المقتبس منها، وهذا ما يدفع إلى اتخاذ لفظ ''Qour’ên'' بديلًا عن لفظ ''Coran''، كون معنى هذا الأخير مختلفا كليَّة تقريبًا مع الأوّل، وهذا ما يبرِّر اختيار بعض المترجمين والمؤلِّفين ودور النَّشر للصِّيغة الأصليَّة ''Qour’ên''، إبقاء للمعنى الأصيل لهذا اللَّفظ الإسلاميِّ؛ حيث أنَّ هذا الإجراء سيجعل القارئ أو المتكلّم يحتفظ في ذهنه بالمعنى الصَّحيح المعمول به في الإسلام، خاصَّة وأنَّ التَّعريف الفرنسيِّ زُجَّ فيه بجملة خطيرة تُحرِّف حقيقة وفحوى لفظ القرآن، وهو قولهم : "جامع مواعظ وخطب مَهُومِي (!) (محمَّد صلَّى الله عليه وسلَّم)، ذات الطَّابع النَّبويِّ..."، وهذا من جهة أنَّهم ينسبون كتاب الله عزَّ وجلَّ إلى عمل وكلام -النَّبيِّ صلى الله عليه وسلَّم-؛ بأنَّه من جملة خطبه ومواعظه؛ أي هو كلامه وأقواله وأفعاله، معاذ الله.

وهذا الصَّنيع مع الأسف الشَّديد، لا شكَّ أنَّه يفسد اعتقاد كثير من القرَّاء المسلمين وغيرهم من الفرنسيِّين والْفْرُنْكُفُونِيِّين في هذه الكلمة العظيمة "القرآن"، ممَّن يكتفون بقراءة القواميس الفرنسيَّة -وما شابهها من كتب ومؤلَّفات يجري في ثناياها التَّحريف والتَّزييف عن طريق اللُّغة- للاطَّلاع على معاني ألفاظ الإسلام، وهو أمر مرفوض، وجب على المترجمين والمؤلِّفين والدُّعاة والمدرِّسين أن يتصدَّوا له بالشَّرح والتَّحذير.

ولهذا فيُعَدُّ ترك وهجر الصِّيغة الفرنسيَّة المقتبسة ''Coran''، واستبدالها باللَّفظ الأصلي ''Qour’ên''، هو الخطوة الأولى التي ينبغي القيام بها، والله تعالى أعلى وأعلم.

لقراءة المقال باللُّغة الفرنسيَّة: https://elibana.org/vb/node/161138

[1]علوم القرآن الكريم، لنور الدين عتر، ص: 10.

[2]الإرشاد إلى صحيح الاعتقاد، للعلّامة الفوزان، ص: 175.

[3]شرح العقيدة الطَّحاويَّة للعلّامة الفوزان، ص: 71.
                                                                        المصدر
 https://elibana.org/vb/node/161139#post161175

حكم الصلاة على السجادة التي عليها رسم مسجد أو غيره للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله تعالى

 

حكم الصلاة على السجادة التي عليها رسم مسجد أو غيره

السؤال:
بعد هذا رسالة بعث بها مستمع يقول: (أبو لافي . ع. ع)، له جمع من الأسئلة في أحدها يقول: ما حكم الصلاة على السجادة المعتاد الصلاة عليها، والمرسوم عليها بعض المساجد، إذ أني سمعت أن الصلاة عليها لا تجوز وجهونا جزاكم الله خيراً؟

الجواب:
الصلاة على السجادة صحيحة، ولو كان عليها رسم المسجد أو أي رسم الصلاة صحيحة، لكن يشرع للمصلي أن تكون سجادته بعيدة عن النقوش ليس فيها رسوم لا مسجد ولا غيره، حتى لا تشوش عليه صلاته، تكون سجادة ساذجة ساذجة ليس فيها شيء، هذا هو الذي ينبغي هذا هو الأحوط للمؤمن، ولهذا لما صلى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام بعدما سلم بعث بها إلى أبي جهم وقال: إن أعلامها شغلتني عن صلاتي .
فالمقصود: أن المؤمن يتحرى في صلاته الملابس السليمة من شغله، والسجادة السليمة، تكون بعيدة عن الإلهاء والإشغال، ليس فيها نقوش ما يشغله. نعم.


المصدر

الأربعاء، 16 سبتمبر 2020

الولاية بالعهد خير من الانتخاب شرعاً وعقلاً للشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصين رحمه الله تعالى

الولاية بالعهد خير من الانتخاب شرعاً وعقلاً

بسم الله الرحمن الرحيم
أ) فهمتُ مِنْ خير ما كُتب وخير من كَتب عن فتنة التكفير التي ابتليَ بها المسلمون في هذا العصر: الاستدلال على خروج التكفيريين عن شرع الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم وسبيل المؤمنين القدوة: (بأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وبارك عليه وعليهم لم يكفِّروا معاوية رضي الله عنه بتوليته ابنه يزيد من بعده)([1]). ولم أر وجهاً شرعياً لاعتبار عهد ولي الأمر بالولاية لأحد من بعده معصية صغيرة فضلاً عن اعتبارها كبيرة من الكبائر تحتمل الكفر الأصغر فضلاً عن الأكبر.

ب) وأول من عهد بالولاية من بعده لمن بعده في تاريخ المسلمين: أبو بكر الصديق رضي الله عنه وأرضاه([2]) وقد شرع الله لنا اتباع سنته بما ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم: «فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين من بعدي»؛ فعهد بالولاية من بعده لعمر رضي الله عنه وأرضاه، ثم عهد عمر بالولاية من بعده لستة نفر من الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم يختارون لها أحدهم فاختاروا عثمان رضي الله عنه وأرضاه ثالث الخلفاء الراشدين المهديين.

ج) ومعاوية بن أبي سفيان (رضي الله عنه وأرضاه) أحد كبار الصحابة وفقهائهم ومحدثيهم، وولاه رسول الله صلى الله عليه وسلم كتابة وحي الله إليه، وولاه الخلفاء الراشدون الأُوَل قيادة الجيوش وإمارة المسلمين، ونزل له الحسن بن علي (رضي الله عنه وأرضاه) عن الولاية فاجتمعت عليه كلمة الأمة؛ فهو أول وخير الخلفاء من قريش بعد الخلفاء الراشدين، وهو من أعظم الفاتحين في آسيا وأفريقيا وأوروبا، وروَى نحو (130) حديثاً (13) منها في الصحيحين أو أحدهما.

د) ورأى معاوية (رضي الله عنه) من فقهه واتباعه وثاقب رأيه: العهد إلى ابنه يزيد (تجاوز الله عنه) وحري به ألا يفعل ذلك إلا حرصاً على المصلحة العامة للأمة لما نعلم من ثقة النبي صلى الله عليه وسلم بأمانته على الوحي وثقة الخلفاء الراشدين الثلاثة الأُوَل بأمانته على إمارة المسلمين، ثم ثقة الحسن بن علي رضي الله عنهم أجمعين بأمانته على الخلافة نحو (20) سنة.

هـ) ويزيد بن معاوية (تجاوز الله عنه) أول خليفة من قريش بعد الصحابة الخمسة، تعلم الحكمة وتدرب على الإمارة أكثر حياته في مجلس والده العظيم، وكان أميراً لأول جيش غزا مدينة قيصر في عهد أبيه معاوية رضي الله عنه، وكان أبو أيوب الأنصاري رضي الله عنه في ذلك الجيش، وقد ورد الخبر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنهم «مغفور لهم» الصحيحة (ح: 268).
وفي عهده فُتِحت بخارى وخوارزم والمغرب الأقصى. (أعلام الزركلي). ولم يُتّهم في اعتقاده ولا عبادته، وإنما امتنع عن بيعته بعض الصحابة كما حدث للخلفاء من قبله، ونازعه بعضهم أمر الولاية ثم اجتمع الناس عليه حتى مات (تجاوز الله عنا وعنهم أجمعين).
ولا يوثق بكل ما روي عن أمره أو رضاه بما فعله واليه في المدينة النبوية أو بقتل الحسين رضي الله عنه وأرضاه ولو صح ذلك كله لم يقدح في عهد أبيه إليه بالولاية، وعلينا ألا نسبّه وألا نحبّ ما روي من اتّهامه صدقاً أو بهتاناً أو مبالغة، وندعو للوالد والولد بالمغفرة والرحمة.

و) وقال الله تعالى: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} [النمل: 16]، ومما ورث سليمان من أبيه داود: الملك، صلوات الله وسلامه عليهما وعلى جميع أنبيائه ورسله، وقال الله تعالى عن داود: {وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ}[البقرة: 251] وقال الله تعالى عن طالوت قبلهما: {إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247] وكان من جنده داود، وقال تعالى عن آل إبراهيم عامة: {وَآَتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا} [النساء: 54] صلوات الله وسلامه عليهم، والله يؤتي ملكه من يشاء.
وكان الأنبياء يخلفهم الأنبياء «كلَّما مات نبيٌّ خلفه نبيٌّ»، وكان الملوك
– مثل كل ولد آدم – يخلف بعضهم بعضاً كلما مات ملك خلفه ملك، والمَلِك مؤتمن على مُلْكه، ومنه توليته الأمراء في حياته ومن يلي الملك بعد موته منذ قال الله تعالى: {
إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30]، (أي: قوماً [آدم وذريته] يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل كما قال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ} [الأنعام: 165]، وقال: {وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ} [النمل: 62] (تفسير ابن كثير)، وقال تعالى عن قوم هود: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ} [الأعراف: 69]، وعن قوم صالح: {خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ} [الأعراف: 74].

وكان الملوك يعهدون بالأمر الذي استخلفهم الله فيه إلى من بعدهم في كل عصر إلا في حالات قليلة ربما بدأت في عهد الوثنية اليونانية ثم في عهد الثورة الفرنسية العلمانية الغاشمة ومن تأسى بها في أوروبا وأمريكا في القرنين الماضيين ثم في بلاد العرب في القرن الأخير (ممن تحول إلى النظام الاشتراكي بخاصة في أسوأ أحواله).
ولا يزال أكثر دول وإمارات أوروبا الغربية مَلَكِية وراثية، ومنها إسبانيا التي أعادها (فرانكو) إلى النظام الملكي بعد تجربته الخاسرة الخروج عليه. ولا تزال اليابان وبعض الدول الآسيوية ثابتة على النظام الملكي الوراثي.

ز) في بلاد المسلمين كان خير من عُهِد إليه بالولاية بعد أبي بكر: عمر الفاروق في العقد الثاني، ثم عمر بن عبد العزيز في العام الأخير من القرن الأول (بعد عثمان وعلي ومعاوية) رضي الله عنهم وأرضاهم، ثم محمد بن سعود وعبد العزيز بن محمد وسعود بن عبد العزيز آل سعود الذين جدد الله بهم دينه ونشر بهم التوحيد والسنة وأزال بهم الشرك والبدع الأخرى في الدين، ثم جدد الله الدين بتركي بن عبد الله وفيصل بن تركي آل سعود، ثم جدد الله دينه بعبد العزيز بن عبدالرحمن آل سعود وبأبنائه من بعده إلى يومنا هذا، وهم القائمون (بوازع السلطان، من فضل الله) على تطهير جزيرة العرب (من أوثان المقامات والمزارات والمشاهد وزوايا التصوف ولوثات الابتداع وما دون ذلك من معاصي الشبهات والشهوات) في القرون الثلاثة الأخيرة حتى صارت علماً للولاية الشرعية.

حـ) ولا أعلم أحداً في بلاد المسلمين سبق سيد قطب رحمه الله إلى ظنه الآثم أن العهد بالولاية: (خروج عن قاعدة الإسلام الأساسية في الحكم: اختيار المسلمين المطلق) و: (أن الحاكم في الإسلام يتلقَّى الحكم من مصدر واحد هو: إرادة المحكومين)، و: أن الطريقة الصحيحة لاختيار الحاكم: (أن نستشير الجميع بالطريقة التي تكفل الحصول على آراء الجميع)، و: أن (النبي لا يملك أن يُؤَمِّر أحداً دون مشورة المؤمنين) معركة الإسلام والرأسمالية، دار الشروق 1414هـ، (ص: 72 – 73)؛ فهذا الظن يبعد عن الحكم بما أنزل الله بقدر ما يقرب من الحكم بغير ما أنزل الله، بل من القوانين الوضعية والتأسي بالوثنيين والعلمانيين والشيوعيين، وربما انخدع به الثوار المصريون ومَنْ بعدهم فظنوه فقهاً في الدين، ولا شك أنه انخدع به كثير من دعاة (الإسلام اليوم) لعجزهم عن التفريق بين يقين الوحي والفقه فيه وبين خرص وظن الفكر الموصوف بالإسلامي زوراً أو خطأ، فأخذت الثورات أموال الناس بالباطل بحجة إعادة توزيعها كما سن سيد قطب (سنة سيئة) بعد أن خرجت على الولاية والجماعة. وأخذ الفكريون والحركيون (وأخطرهم وشرّهم اليوم موقع ومؤسسة ومجلة: الإسلام اليوم) ينأون بالمسلمين عن الفقه في الدين سبيل المؤمنين من الصحابة وتابعيهم في القرون المفضلة إلى ما أسماه سيد قطب: (فقه الواقع والحركة والمرحلة والموقف) انظر: (في ظلال القرآن) مقدمة تفسير سورة يوسف، تجاوز الله عنهم جميعاً وكفى الإسلام والمسلمين شرهم.
ومع أن القائمين على هذه المواقع والمؤسسة والمجلة يقيمون في بلاد ودولة ميزها الله بالتأسيس من أول يوم على الوحي والفقه فيه ويموّلون فكرهم المنحرف من تبرعات أهلها؛ فإنهم يقوِّضون الأساس الذين قامت عليه البلاد والدولة المباركة: (فقه السلف في نصوص الوحي) وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً، ردهم الله إلى دينه الحق رداً جميلاً، وكفى الإسلام والمسلمين شرهم.

ط) والولاية بأكثرية أصوات الناخبين مجانبة للشرع والعقل، لأن أكثر الناس هم سفهاؤهم، وقد وصفهم خالقهم تبارك وتعالى بأنهم: {لا يعلمون} و:{لا يشكرون} و:{لا يؤمنون} فبأي حق يترك أمر الولاية لأهوائهم؟ إلا إذا كان الحكم للهوى، وإلا إذا استفتي غير العلماء بشرع الله (من الصحفيين والحركيين والأطباء والمهندسين والفكريين) فهي إحدى علامات آخر الزمان، ولا عجب إن ضل المفتي والمستفتي من رؤوس الجهال وأذنابهم.
ولقد رأيت بعض الطامحين للرئاسة الأمريكية يحاول اجتذاب أصوات الأكثرية بركوب الدراجة وظهره إلى مقودها، أو بقلي البيض أو اللحم في المطعم العام، وسمعت بعضهم يَعِد الناخبين بوضع دجاجتين في كل قدر وسيارتين في كل كراج، ورأيت بعض الطامحين لعضوية المجلس البلدي يتنافسون في ملء البطون في مقابل الأصوات، وسمعت وعوداً بالحرية والمساواة ممن لا يملكها لمن لا يستحقها، سواء في بلاد الوثنية أو الإلحاد أو النصرانية الديمقراطية (وهي الأصل) أو في بلاد العرب والمسلمين المقلِّدين لهم مصداقاً لحديث الصحيحين: «لتتبعن سنن من كان قبلكم شبراً بشبر وذراعاً بذراع حتى لو أنهم دخلوا جحر ضب لتبعتموهم» وبيَّن أن المتبوعين هم اليهود والنصارى، وفي رواية: فارس والروم.


ي) وعلى خلاف منهاج الشرع والعقل اجتمع الإسلاميون (بزعمهم) مع العلمانيين والشيوعيين والملحدين عامة، ولكنهم يخصون بمخالفتهم الصحابة والتابعين ومجددي الدين بعد أن أخلقه المبتدعة على مر القرون، ولا يكادون يستثنون من مشاقتهم وشغبهم إلا مثل المعتصم تجاوز الله عنه مع أنه ورث الملك ولم يُعْرف بعلم ولا عمل ولا دعوة أكثر من أسطورة (وامعتصماه) بزعم تسخيره جيش المسلمين لنجدة امرأة أشركته مع الله بل أفردته من دون الله بطلب النجدة إن صحت الرواية، وهم يعلمون أو يجهلون ما اقترفه المعتصم من فتنة القول بخلق القرآن، وسجنه وجلده من لم يوافقه من علماء المسلمين وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ورحمهم، وإلا ولاة العثمانيين مع أنهم ورثوا الملك وكانوا حماة أوثان المقامات والمزارات وما دونها من الخرافات والبدع، وإلا بعض الفاتحين والمقاتلين دون شرط: «لتكون كلمة الله هي العليا»، بل ولو لم يدعوا إلى التوحيد والسنة، بل ولو عرف عنهم مخالفتهما. رد الله الجميع إلى دينه رداً جميلاً. (1428هـ).
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

([1]) خاطبت الكاتب أثابه الله فتم التصحيح في طبعة لاحقة والاعتذار عن هذه الهفوة.
([2]) وقيل: إن الرسول صلى الله عليه وسلم عهد إلى أبي بكر > إيماءاً أو تصريحاً.
المصدر

الاثنين، 14 سبتمبر 2020

حكم قراءة القرآن بالمقامات للشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز رحمه الله

حكم قراءة القرآن بالمقامات

السؤال:
أولى رسائل هذه الحلقة رسالة وصلت إلى البرنامج من العراق نينوى باعثها أخ لنا من هناك يقول: أخوكم (ط. أ. ع) يسأل ويقول: ماذا تقول سماحة الشيخ في قارئ القرآن بواسطة مقامات هي أشبه بالمقامات الغنائية بل هي مأخوذة منها؟ أفيدونا عن ذلكم؟ جزاكم الله خيرًا.

الجواب:
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله، وصلى الله وسلم على رسول الله، وعلى آله، وأصحابه ومن اهتدى بهداه.
أما بعد:
فلا يجوز للمؤمن أن يقرأ القرآن بألحان الغناء وطريقة المغنين، بل يجب أن يقرأه كما قرأه سلفنا الصالح من أصحاب النبي ﷺ وأتباعهم بإحسان، فيقرأه مرتلًا متحزنًا متخشعًا حتى يؤثر في القلوب التي تسمعه، وحتى يتأثر هو بذلك، أما أن يقرأه على صفة المغنين، وعلى طريقتهم؛ فهذا لا يجوز، نعم.
                                                            المصدر

الأحد، 13 سبتمبر 2020

ك.سنوك هِرْكرونيه (عبد الغفار) وكتابه الفريد عن مكّة للشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصين رحمه الله تعالى

ك.سنوك هِرْكرونيه (عبد الغفار) وكتابه الفريد عن مكّة
بسم الله الرحمن الرحيم
أ- قرأت كتاب: (مكّة) لهذا المستشرق الهولندي بعد عدد سنين من طباعته عام1411 ثم1419، واختار من تولى صياغة الترجمة والتعليق عليها أثابهما الله تسمية الكتاب: (صفحات من تاريخ مكّة المكرمة) على عادة الغربيّين الإيجاز المفيد وعادة العَرَب الإطناب بما يزيد عن الحاجة، وحَرِصا على إثبات وَصْف الصوفية ومن تبعهم مكَّةَ بالمكرّمة والمدينة بالمنوّرة حيثما ذكرتا في الكتاب، ولم يَصِفْهما الله تعالى ولا نبيّه صلى الله عليه وسلم بذلك، وخير وَصْفٍ لمكّة ما وصف الله به بيته المسجد الحرام بقوله: {مباركا}، وخير وصف للمدينة: (النبويّة) نسبة لمن أعلى الله شأنها به مهاجراً ومقيماً حتى لقي الله، ولكن الأستاذين أجادا وأفادا وفقهما الله.
وُلِدَ سنوك (عبد الغفار) أول النصف الثاني من القرن الثّالث عشر الهجري، ومات في منتصف العقد الرابع عشر الهجري (تقريبا)، وبعد أن أنهى دراسته في جامعة ليدن – هولندا بدرجة  دكتوراه (تقدّم لها وحصل عليها بدراسةٍ عمّا سُمِّي: احتفالات مكّة)، ورغب في زيارة مكة، أو لعله رغب في الاسلام فأقام سنة في جزيرة العرب، نصفها في جدّة ونصفها في مكة، ثم أُخْرج من مكة دون إبداء السّبب؛ فاخْتُلِفَ في سبب إخراجه، فقيل: إنّه بسبب اتّهامه بمحاولة نقل حَجَر أثريّ إلى ألمانيا عُثِرَ عليه في تيماء، وقُتِلَ بسببه مَنْ حاول نقله إلى فرنسا، وقيل: بل لعلّه كُشِفَ هدف آخر لقدومه إلى مكّة وجدّة، والمرجع: الظّنّ، ولا يغني من الحق شيئا (وبخاصّة بعد مرور ثمانين سنة على وفاته).
وبعد خروجه من مكة لبث مدّة قصيرة في جدّة ثم سافر إلى جاوة، فعمل مستشاراً للدّولة الهولنديّة (17) سنة أثناء احتلالها للمنطقة، وتزوج منها وأنجب 4 من ذريّته، ثم عاد إلى هولندا وانصرف للعمل الأكاديمي البارز نحو (30) سنة حتى مات.
ويجدر بالباحث في سيرته أن يعلم:
1) أنّه قبل إسلامه كان يصف نفسه بأنه لا ديني، فلا أساس لاتّهامه بالتّبشير.
2) أنّه أعلن إسلامه أمام قاضي جدّة ومندوبَيْ حاكم مكّة العثماني.
3) أنه حذّر الحكومة الهولندية من إيذاء المسلمين في مستعمراتهم بسبب تدينهم.
4) أنّه ردّ على كافة المستشرقين سوء فهمهم للإسلام.
5) أنه لم يسبقه ولم يلحقه أوروبيّ ولا عربيّ ماثَلَه في دقّة وعُمْق محاولته التوثيق للحياة السّياسية والاجتماعيّة والدّينيّة في مكّة المباركة، وزاد عليه (عبد الله فلبي) في مدّة الإقامة وقَصُرَ عنه في التوثيق والتحقيق عن مكّة.
ب- ويجدر بالباحث في سيرة (سنوك) أن يعلم: 
1) أنّ لقدومه إلى جدّة فمكّة، ثم إقامته في جاوة للعمل الحكومي(17) سنة، ثم عودته للعمل الأكاديمي (30) سنة في هولاندا حتى مات؛ أن لكلّ ذلك علاقة بعمله الأكاديمي في جامعة ليدن - هولاندا.
2) أنّ فيما رُوِيَ عنه أنّ القنصل الهولندي في جدّة هو أوّل من دعا بعض طلاب العلم والعلماء لمناقشة (سنوك) عن رأيه في الإسلام وأنهم أعجبوا بما سمعوه منه فقالوا له: أنت أخ لنا وواحد منّا، وتبع ذلك زيارة قاضي جدّة ومندوبي الحاكم، وإعلان (سنوك) الدخول في الإسلام، ثم الانتقال من جدّة إلى مكّة خمسة أشهر ونصف تقريباً.
3) لم يدّع أحد ممّن بحث أمره أنّه نقض إعلانه الإسلام (48) سنة حتى مات، ووَجَدَتْ جامعته بين أوراقه شهادة بثباته على الإسلام وأنّها مُزِّقَتْ مُحافظة على سُمْعَتِه وسُمْعَة جامعة ليدن بهولاندا التي وَرِثَتْ منزله.
وفي المقابل تقول رواية أخرى في الوِكِبِيْديا بأنّه كتب لصديقه (c.bezold) في 1886/2/18 بأنه تظاهر بالإسلام، وأن خطابه محفوظ بمكتبة جامعة (heidelberg) بألمانيا.
4) كان يلين للإسلام والمسلمين في الدّين، ويشتدّ في كَبْح جماح ثورة المسلمين في منطقة عمله على المستعمرين الهولنديّين.
ج- وإذا ثبت إسلامه بيقين فلا يجوز الحكم عليه بالكفر دون بيّنة بل بالظّنّ والرّوايات المتناقضة، ولا بسياسته الإدارية المخالفة لمصالح المسلمين الوطنيّة لو صحّت الرّوايات عن كلّ ذلك.
وكان د.محمد السرياني ود.معراج مرزا (مِنْ بين مَنْ ذُكِرَتْ أسماؤهم في الحكم على د.سنوك بالاسلام أو الكفر) أقرب إلى الشرع والحق والعدل، وأبْعَدُهم: د.قاسم السّامرّائي الذي لم يُعْرَف بالأهلية لهذا الحكم علماً ولا عملاً، وأقلّ سوءاً: الأستاذ حمد الجاسر (نجاوز الله عنهم جميعا) الذي انصرف أكثر حياته عن العلم والعمل الشرعي اليقيني إلى البحث التاريخي والجغرافي الظّنّي، وكان جائراً في حُكْمِه عليه بلا بيّنة.
د- وكان د.سنوك (عبد الغفار) خير مستشرق قاده البحث إلى جزيرة العرب (سواء مَنْ أعلن إسلامه مثله أو  من رفض ادّعاء الإسلام رغم تهديده بالقتل مثل: دوتي (doughty) في دقّة وعمق بحثه وقرب نتيجة بحثه للحق والعدل، وإليك البيان:
أولاً: اخترت مما ذكره عن الحياة السّياسيّة في مكة ما يلي:
أ- قال: (ظهر في شرق جزيرة العرب مصلح [مجدِّد] للإسلام، وسانده أمراء الدّرعيّة ثم آمنت بدعوته كلّ مراكز الجزيرة العربيّة).
(وكان هذا المصلح ينوي أن يعيد الحياة للإسلام الحقّ في كلّ مكان يستطيع الوصول إليه).
(وقدم إلى مكة 30 وهّابيّاً [سلفيّاً] للدّعوة إلى التّوحيد الخالص عام1163 وقد لقوا معاملة غير لائقة حسب ما يرويه مؤرخو مكة، وكانوا يعيدون الكرّة كلّما تسلّم حاكم جديد السّلطة في مكّة، وعرض عليهم الشّريف سرور السّماح لأهل نجد بالحجّ مقابل دفع أموال طائلة أكثر مما يدفعه الآخرون فرفضوا، ثمّ كرّروا طلب السماح لهم بأداء فريضة الحجّ كلما تسلّم الحكم في مكّة شريف جديد غير أنّ النتيجة دائماً تكون بالرّفض، وفي عهد الشّريف غالب تعدى الأمر رفض طلبهم إلى قتالهم)، (لقد استطاع محمد بن عبد الوهاب - بجدارة تامّة – أن يبرز الإسلام بالصّورة الصّافية النّقيّة كما جاء به الرّسول صلى الله عليه وسلم، وهذه الصّورة لم تكن واضحة لكثير من علماء عصره لتركهم منابع الإسلام الأولى وهي القرآن والأحاديث النّبويّة واعتمادهم على اجتهادات المتأخّرين المبنيّة على التّطوّرات المستمرّة لمختلف المذاهب عبر القرون مما حال بين المسلم ومنابع التشريع الأولى؛ فأصبح المسلمون يهتمّون بالفنون التّرتيليّة للقرآن والحديث دون البحث عن المعاني المستفادة منهما)، (وكانت نَجْد مناسِبَةً للدّعوة التي قام بها لأنّها وحدها لم تتغيّر في لغتها وعاداتها كثيرا عمّا كانت عليه في الأصل عند ظهور الاسلام)، (وقد حرّم ابن عبد الوهّاب وسائل التّرف الحادثة مثل الموسيقى ولبس الحرير واستعمال الذّهب والفضّة والحُلِيّ للرّجال وغيرها من العادات السّيّئة المنتشرة في بلاد المسلمين).
ب- (وأهم ما أثار الغيرة الدّينيّة لدى محمد بن عبد الوهاب: الخطر الذي تسلّل إلى عقيدة التّوحيد عن طريق تقديس الأولياء فكان [الدّعاء] والاستعانة والاستغاثة بالأولياء [الأموات أو الغائبين] عند الأكثرين الجسر الذي يعبرون منه إلى الشرك وعبادة أكثر من إله، وكان تساهل العلماء في إنكار ذلك من أهمّ أسباب زيادة هذه المنكرات وانتشارها).
(إنّ رسل الله وأولياءه لا يستطيعون بعد موتهم أن ينفعوا أو يضرّوا أحداً، فالأمر لله وحده، وتقديس المقامات والأضرحة هي من عمل الشيطان وكانت المدينة تدنّس بتقديس قبر النبيّ صلى الله عليه وسلم وقبور أصحابه الكرام، وتنقية الاسلام تستلزم القضاء على مثل هذه العادات الشّركيّة... لقد التزم محمد بن عبد الوهّاب بالإصلاح وجعله هدف دعوته وكان رائده الإخلاص في القول والعمل، وسخّر لذلك لسانه وقلمه، وجعل مدرسة الإمام أحمد بن حنبل أساساً لدعوته المدعومة بسيوف آل سعود).
ج- (وكان تقدير أهل مكّة والمدينة لنجاح هذه الدّعوة السّلفيّة أقلّ من غيرهم لأن ما تطالب هذه الدّعوة بإلغائه كان من متطلّبات الحياة في المدينتين المقدّستين مكّة والمدينة، فالقبور والأضرحة والمزارات كانت تجلب المال والجاه للأدلاء والسّدنة... وكان وجود قوّة أخرى في جزيرة العرب تعمل على وحدة أجزائها كافيا لإثارة التّنافس بينها وبين حكّام مكّة فكيف إذا اقترن وجود القوة المنافسة بحركة إصلاح دينيّة لا تقبل أيّ تحديدٍ لمجال نفوذها).
(بدأ الشريف غالب بتثبيت سيادته بالقضاء على إخوانه وغيرهم من الأشراف المعارضين له، ثم قضى 16عاماً في محاربة خصومه الجّدد [الدّولة السعوديّة] وبلغ عدد غزواته 56، غير أنّ الهجوم المضادّ كان عنيفاً لا يكلّ، يقوّيه المبدأ الدّينيّ الذي يؤمن به خصومه [السّعوديّون]).
ولم يكن البدو في المناطق المتنازع عليها [تربة والخرمة وبيشة ونحوها] ملومين لاستجابتهم للدّعوة السّلفيّة، فلم يُقَدِّم لهم حكّام مكّة غير الحملات التّأديبيّة عقاباً لأدنى مخالفة على عكس ما جلبته لهم الحركة الإصلاحية من طمأنينة وأمن في ظلّ دولة قويّة، ومن احترام وتقدير لهم، ومن تعليمهم وارشادهم بل تجديد اسلامهم بعد جهالة شديدة أشبهت العودة إلى الكفر والضلالة).
(لم يجد الشريف غالب بدّاً من عقد اتّفاق مع أمير الدّرعيّة بعدم تدخّله في شؤون القبائل المحيطة بمكة في مقابل السّماح له ولأتباعه بأداء الحجّ بما يشبه هدنة الحديبية بين الرسول صلى الله عليه وسلم وقريش).
(ولكن القبائل المحيطة بمكّة تبنّت الدّعوة السّلفيّة ونشطت في الدّعوة إليها، فاحتلّ بعضهم ميناء حلي – وكان هو الحدّ الجنوبي لإمارة مكّة – فطردهم غالب منه، وعاقب أهل حلي بلا رحمة، فبِيْعَ أولادهم عبيداً لأهل مكّة، وكأنّ آباءهم كانوا كفّاراً)، (ثمّ بدا وكأنّ الجنوب بأسره دان بالولاء لآل سعود، وعندما كاتب الشريف غالب أمير الدّرعيّة تبرّأ هذا من التّصرفات المنفصلة لبعض زعماء القبائل، ولكنّه رفض التّخلّي عن دعوة الجميع إلى التّوحيد).
(فأرسل الشّريف غالب وفداً إلى الدّرعيّة لتجديد الاتفاق وفيهم صهره عثمان المضايفي فانحاز الأخير إلى أمراء الدّرعيّة وكان من أهمّ الأسباب: ميله للدّعوة السّلفيّة، وفي طريق العودة انفصل عثمان برجاله عن الوفد واحتلّوا العبيلاء ونشطوا للقضاء على قوة غالب، فهاجم الطائف مع أمير بيشة وأخفقت محاولة غالب استعادة الطائف وصار عثمان أميراً لها وأرسل إلى الدّرعيّة بخبر الفتح فتقدّم الأمير سعود بن عبد العزيز بن محمد حتى وصل على بعد 3أيام من مكّة، فانسحب غالب إلى جدّة وقاد عبد المعين أخو غالب المباحثات لتسليم مكة).
قلت: وسيتكرّر هذا الفضل من الله بعد 127سنة بانضمام الشريف خالد بن لؤيّ رحمه الله إلى جيش الملك عبد العزيز آل سعود رحمه الله ومشاركة خالد في فتح مكة للدّعوة السّلفيّة، واتّهام محمد نصيف رحمه الله بذلك ونفيه للعقبة.
د- (في أول 1218 بايع الشريف عبد المعين وعلماء مكة الأمير سعود بن عبد العزيز، وكان لسيفه الفضل في العودة إلى منابع الدّين الأصيل، فحُطِّمَتْ وأزيلتْ كل القباب المبنيّة على المزارات والقبور، وأحْرقتْ غلايين التّبغ وآلات الموسيقى، ومنعت البدع القوليّة والعمليّة في الدّعاء والصلاة، وكان على سكّان مكّة أن يصحّحوا كثيرا من أمور دينهم ويتعلموا من أعدائهم).
(ظنّ الأمير سعود بأنّ نواة التوحيد التي غرسها في مكّة ستؤتي ثمارها دون إجبار خارجي، ثم تبيّن له خطأ ظنّه فبعد شهرين عاد غالب إلى مكّة واستأنف منها قتال صهره المضايفي وأمير بيشة، ثم استعاد ميناء الليث ولكن اضطراب الأمن قطع واردات مكّة، وعددٌ كبير من العبادلة وآل بركات والمناعمة تركوا غالباً وانضمّوا إلى عسكر عدوّه).
هـ- (في شوّال 1220هـ أمر الأمير سعود بمحاصرة مكّة بعد أن  نقض أهلها العهد كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما نقضت قريش عهدها الذي أبرمته في الحديبية، وفي ذي الحجّة 1220هـ طلب الشريف غالب التفاوض مع القوّة المحاصرة وكان عليه هذه المرّة أن يذعن لسيادة المنهج السّلفيّ وسيادة الدّولة السّلفيّة السّعوديّة التي عاملت أهل مكّة باللين كما فعل الرسول الكريم).
و- (عدّ السّلطان العثماني ظهور الدّعوة ومَنْع المحمل تحدّيا لسلطته فانتدب نائبه في مصر محمد علي باشا للقضاء على الدّولة السّلفيّة ففرغ محمد علي للتّنفيذ بعد قضائه على المماليك، وبدأت الحملة الأولى بقيادة طوسون بن محمد علي في رمضان 1226 فأخفقت، ثم نجحت الحملة الثانية بقيادته عام1227 في احتلال مكّة، وجاء محمد علي إلى مكّة عام1228 فاستقبله الشريف غالب بحفاوة وأعان طوسون على فتح الطائف وأسْر عثمان المضايفي حيث قتل في استانبول رحمه الله، [وجاءت العقوبة عاجلة] فقبض طوسون على غالب ونفاه إلى سالونيك حتى مات)، [وصودرت كلّ ممتلكاته ثم أعيد إليه ما أعانه على الحياة في المنفى بضع سنين، وفي العهد السعودي صارت أوقافه من أغنى المؤسّسات في المملكة المباركة {ولا تستوي الحسنة ولا السّيّئة}.
(وكان المذهب الحنبلي السّلفي منتشراً في وسط جزيرة العرب، أمّا في مكّة فأتباعه قليلون، وأمّا في المدينة فكان الرّأي العامّ متعصّباً ضدّ الحركة الإصلاحيّة). ص253-275[وانتهت الحرب بتدمير الدّرعيّة وقتْل أو نفي علمائها وأمرائها، ولكنّ دولة آل سعود ودعوتهم أعادها الله بعد قرن لتهدم أوثان المقامات والمزارات والأضرحة والزّوايا الصّوفيّة وغيرها من المبتدعات في مكّة والمدينة وما حولهما وتحكم شرع الله في كلّ قضايا الاعتقاد والعبادات وجل قضايا المعاملات والحمد لله أولاً وآخرا]).
ثانياً: الحياة الاجتماعية في مكة:
الجزء الثاني من مؤلف د.سنوك مخصّص للحياة الاجتماعية في مكّة ويهمّنا منه ما له علاقة بالدّين وجوداً أو عدماً؛ يقول ج2 ص358-566:
أ- (في 12 صفر تبدأ الاحتفالات في مكّة بذكرى ميمونة زوجة الرّسول الكريم، ولأنّه لا يُعْرف سبب لربطها بـ12 صفر فيمكن عَزْوها إلى أصول جاهلية).
قلت: لم يوافق المعلّق على عزوها إلى أصول جاهليّة، وعزاها إلى العهد الفاطمي، وحتى (لا يُحْرم الضيف ولا تفنى الغنم) رأيت التّوكيد على أنّ وثنيّة المقامات والمزارات والمشاهد ظهرت أوّلاً في قوم نوح صلى الله عليه وسلم لما رواه البخاري في صحيحه من تفسير ابن عباس رضي الله عنهم جميعاً قول الله تعالى: {وقالوا لا تذرنّ آلهتكم ولا تذرنّ ودّاً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسرا}، قال ابن عباس: صارت أوثان قوم نوح في العرب: وُدٌّ لكلب، وسواع لهذيل، ويغوث لمراد ثم لبني غطيف، ويعوق لهمذان، ونسر لحمير لآل ذي الكلاع؛ أسماء رجال صالحين فلما هلكوا أوحى الشيطان إلى قومهم أن انْصِبوا إلى مجالسهم أنصاباً وسمُّوها بأسمائهم ففعلوا ثم عُبِدَت، أنظر نصّ الأثر برقم4920 إن شئت، وعلى هذا فالأصحّ عزو الشّرك الجديد إلى القديم، ونشر الفاطميّون هذه الوثنيّة في المغرب ومصر والشّام ولكن شاركهم البويهيّون وقيل: سبقهم هارون الرّشيد ببناء وثن في النّجف باسم عليّ رضي الله عنه ولا يُعْرف من أنكر ذلك من الولاة بعده غير المتوكل رحمه الله (أنظر إن شئت مجموع ابن قاسم لفتاوى ابن تيمية جزء 27 ص446-447)، ولا يُعْرَف دولة قامت لإزالته غير السّعوديّة منذ العبّاسيّين لا الأيّوبيين ولا العثمانيين ولا من بينهما بل شارك كل منهم في حماية الوثنيّة حتى بعث الله دولة آل سعود لتجديد دينه.
وقيل: لَحِق الفاطميّين في هذه الموبقة صلاحُ الدّين الأيّوبي فبنى ما صار وثناً على قبر باسم الشافعي رحمه الله، أنظر تاريخ الخلفاء للسّيوطي ص385ط.العصريّة.
فسنوك على حقّ في عزْوِ الوثنيّة الجديدة للوثنية القديمة، والمعلّق على حقّ في الإشارة إلى سبب انتشارها حديثا.
قال سنوك: (وفي14 صفر يُحْتَفَل بذكرى عبد الله بن عمر رضي الله عنهما).
(وفي مكّة يتشاءم كثير من النّاس من يوم الأربعاء الأخير من شهر صفر).
ب- (وفي12 ربيع الأول قُبِض الرّسول صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى ولكن هذا التاريخ صار يُحْتَفَل به على أنّه ميلاد الرّسول الكريم فتُطلق المدافع ظهر اليوم الحادي عشر إعلانا لهذه المناسبة، ومع صلاة المغرب ليلة12 يَفِد أهل مكّة إلى المسجد الحرام، وتأتي النّساء بملابس العيد والحليّ والزّينة ومعهنّ كلّ أطفالهنّ بملابسهم الملوّنة المطرّزة بالذّهب والفضّة).
(وبعد انتهاء صلاة المغرب يضاء الحرم بمصابيح الزّيت أكثر من سائر الأيّام ويبقى المصلّون نصف ساعة يهنئ بعضهم بعضا، وقريباً من باب دريبة يجلس إمام الحرم على منصة خشبية ظهره إلى الكعبة ووجهه إلى الناس فيتلوا عليهم قصّة المولد، وفي الصّدر يجلس شريف مكّة والوالي التّركي، ويطلق النّاس على يومي12 ربيع الأول و27 رجب اسم الأعياد تشبيهاً لهما بعيدي الفطر والأضحى، وبعد الاستماع إلى قصّة المولد يمشي رجال الحكومة ومعهم خدم الحرم بالمصابيح يقدمهم كبير المؤذّنين وفلكي المسجد ينشد المدائح النبويّة، ويدخل الحشد المولد فيقرؤون سيرة الرّسول الكريم).
(ويقوم المتصوّفة بترديد قصائد البردة والهمزية وغيرها من المدائح).
(وفي منتصف جمادى2 تبدأ الاحتفالات بالذّكرى السّنويّة للشيخ محمود بن ابراهيم الأدهم، وهي مخصّصة للنّساء وتستمرّ ثلاثة أيّام، ويستفيد البدو والقاطنون في منطقتها من تأجير بيوتهم لزائرات الضّريح، بيت لكلّ12 امرأة تقوم صاحبة البيت بالضّيافة أول يوم مقابل بعض الهدايا، وتتولى الزّائرات الضّيافة بعد ذلك).
ج- قلت: ظنّ الأستاذ حمد الجاسر تجاوز الله عنه أنّ هذا لا يُعْقل، وكلّ الشرك لا يحكمه العقل، ولكنّ النّاس منذ قوم نوح إلى اليوم – ومنهم أكثر المنتمين للإسلام والسّنّة – أشركوا بدعاء المخلوق الميّت أو الغائب مع الخالق الحيّ الذي لا يموت، وأرسل الله كلّ رسله في كلّ زمان ومكان وحال بأن لا يُدعى إلاّ الله وحده، وظنّ الأستاذ حمد الذي انصرف عن يقين الوحي الشّرعي إلى ظنّ التاريخ والجغرافيا لا يُطاوِل شهادة الأستاذ د.سنوك، ولو أولى الأستاذ حمد الجاسر هذا الأمر شيئاً من اهتماماته الصحفية والتاريخية والجغرافية لوجد أن من أحفاد أولئك من يحاول إحياء الوثنية اليوم باسم إحياء التراث الدّيني لولا حماية الله دينه بالدولة السّعوديّة السّلفيّة.
لنعد إلى رواية سنوك لما شهده وحقّقه بطريقة لم يُسْبَق ولم يُلحق بمثلها:
(في 17 من جمادى الآخرة يُحْتَفل بذكرى الشيخ المهدلي قريباً من مدخل مِنَى، فيؤكل الطعام ويقوم المستفيدون منه بتلاوة القصائد ويقيم أهل مكة احتفالهم لمدة يومين أو ثلاثة).
د- قال د.سنوك: (ويحتفل بالولي الهندي جوهر عند ضريحه بجبل هندى، وقريبا من باب العمرة يوجد ضريح المجنون أو المجذوب ويدعى: المحجوب، وهناك العديد من القباب لا يُعرف أسماء أصحابها ولكنّ النّاس لا يَحْرمون هؤلاء الموتى من ثواب الفاتحة).
هـ- وكان تعليق الأستاذين د.السّرياني ود.مرزا مطابقا للشرع واليقين ص369 و373 و378 و380 مثلاً، وخيراً من ظنّ الأستاذ الجاسر؛ إذْ نبّها القارئ أنّ الميّت لا يجلب نفعاً ولا يدفع ضرّاً، وحذّرا من البدع، وبيّنا بأنّ وجود المزارات والأضرحة والخرافات سببه الجهل المطبق، وأثنيا على الدّولة السّعوديّة التي قضت عليه.
و- قال د.سنوك: (وفي11 من كل شهر يتجمّع العديد من النّاس على ضريح خديجة زوج الرسول الكريم، أمّا الثاني عشر فهو مخصّص لآمنة أم الرسول. وفي اليوم الثاني عشر من رجب يجتمع المتصوّفة السّنوسيّة في زاويتهم في سفح جبل أبي قبيس للاحتفال بالذّكرى السّنويّة لوفاة مؤسّس الطّريقة، وعلى طول الطّريق بين مكة والمدينة يوجد عديد من الزّوايا لمريدي هذه الطريقة).
(والسّابع والعشرون من رجب يحتفلون فيه بأداء العمرة الرّجبية وبالإسراء والمعراج ويُعْلن عنه بطلقات المدافع بعد ظهر يوم 26 من رجب، وعلى الطريق بين مكة وجدّة توجد شجرة يقدّسها الناس في المنطقة وتوضع عليها الخِرَق الملوّنة، ومعلوم أنّ عبادة الأشجار وتقديسها عادة جاهليّة قديمة في جزيرة العرب، وعلى الرّغم من أن الرسول الكريم لعن اليهود والنصارى لاتخاذهم قبور أنبيائهم مساجد؛ فإن [تقديس] الأضرحة والقبور انتشرت كثيرا بين المسلمين، بل إنّ قبره صار هدفاً لهذا النّوع من البدع).
(وباستثناء البقاع التي تقع تحت تأثير دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب السّلفيّة فإن البدع والضلالات قد شوَّهت مفهوم العبادة بتقديس وعبادة [دعاء] الأولياء أصحاب القبور).
(وفي15 شعبان، - وبالرغم من الاعتقاد بأن أعمال الناس مكتوبة في اللوح المحفوظ منذ الأزل – يصوم الناس هذا اليوم ويقومون ليلته ليمحو الله خطاياهم).
(وفي المسجد الحرام يصلي كلّ واحد الفريضة خلف إمام مذهبه مع أنّ الاسلام لا يلزمه بذلك).
ثالثاً: التعليم في المسجد الحرام:
أ- قال د.سنوك: (عبد الغفار): (حلقات الدّروس في المسجد الحرام مفتوحة لجميع المصلّين [الذّكور] كباراً وصغاراً شيباً وشباناً دارسين ومتفرِّجين ومتبرّكين وطرق التّدريس المتّبعة ثلاثة:
1) قراءة أحد الكتب مع أحد شروحه، فيقتصر همّ المدرّس وجهده على ضبط التلاميذ قراءة النّصّ مع بيان معاني الكلمات الصّعبة، وأكثر المدرّسين يختارها.
2) قراءة نصّ الكتاب وإيراد مختلف أراء العلماء فيه بعد جمعها من مراجعها المختلفة. وممن يختار هذه الطريقة: الشيخ عبد الله الزواوي لتدريس كتاب الإقناع للشربيني.
3) جَمْع المدرس الشروح المختلفة للكتاب واستخراج مصنَّف منها ومنه، ويختار هذه الطريقة أقلّ المدرّسين ومنهم الشيخ بكري شطا في مصنّفه: إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين للمليباري في 4مجلدات. ومع أن ما أضافه للكتاب الأصلي لا يتجاوز 1000/1 فقد نال شهرة واسعة).
ب- (تنتهي دروس الصباح قبل صلاة الظهر وتتوقف الدروس غير دروس قليلة لأحوال خاصّة، وبعد الظّهر تُدرَّس العلوم المساعدة على فَهْم العلوم الدّينيّة مثل النّحو والصّرف والعروض للمبتدئين بخاصّة. وفي العقيدة يدرس الجميع عقيدة الأشاعرة، وكثير من العلماء يعلنون أنهم أشاعرة في العقيدة، شافعية في المذهب الفقهي، قادرية في الطريقة الصّوفية، ويدرس الطالب في علم العقيدة: البعث والحساب والحياة في البرزخ وظهور الدّجّال والمهدي والمسيح وغير ذلك مما أورده الغزالي في: الدّرة النفيسة، وتستأنف الدّروس بعد العصر ومعظمها للعبادات وتفسير القرآن.
(وفي الوقت بين صلاتي المغرب والعشاء متّسع لدرس واحد يحضره التّلاميذ على قناديل يحضرونها معهم وأمام المدرّس قنديل كبير لأن الإضاءة غير كافية).
(وتتوقف الدّروس بعد ذلك إلا من بعض دروس في العقيدة والعلوم المساعدة يتولاها طلاب العلم ممن يَدْرسون في الصباح).
(وتُلْقى دروس في أيام الجمعة والثلاثاء عن التصوّف لكبار طلاب العلم من كتاب إحياء علوم الدّين للغزالي، وعلم التّصوّف ظهر بتأثيرات نصرانيّة وفارسية وهنديّة، ورأى معتنقوه أن العلوم الشرعية الأخرى ما هي إلا مقدّمات أوّليّة للوصول إلى محبّة الخالق، ومن هنا دخل التّصوّف المعارف الدّينيّة واحتلّ أحياناً مركز الصّدارة. وبالإضافة إلى الغزالي وُجِدَ متصوّفة آخرون فضّلوا العمل في الظّلام واجتهدوا كثيرا في إدخال كثير من الأفكار الباطنيّة من هؤلاء: ابن عربي والشعراني، ولكن الإحياء للغزالي هو الأشهر).
(ونظرة سريعة تُبَيِّن الأهمية القصوى للطرق الصّوفيّة في مكّة، فإلى جانب الزاوية السّنوسيّة في سفح أبي قبيس توجد زاوية الطريقة النقشبندية تقدّم الطعام والكساء للمريدين المعوزين، وهناك أماكن أخرى للطريقة القادرية والشاذليّة وغيرها).
(إن حلقات الذكر والاحتفالات الأسبوعية والشهريّة وتوزيع النّقود يتمّ في بيت الشيخ، أما اللقاءات اليوميّة لأفراد الطريقة فتعقد في المسجد الحرام).
(إنّ الطّرق الصّوفية غالباً تصرف طلاب العلم إلى أبعد حدٍّ عن العلم).
ج- قلت: أجاد وأفاد المعلقان أثابهما الله في التحذير من خطر التّصوّف وفساده ص528 و534 و536.
رابعاً: من الخرافات في مكّة:
(أنّ هناك جبل مقدّس يزوره معظم الحجّاج هو جبل أبي قبيس ترجع قدسيته إلى أيام الجاهليّة، وفيه مسجد صغير يشبه لون الصّخر فيه الحجر الأسود فتقول الأسطورة أن الحجر الأسود اقتلع منه أو أن الحجر الأسود حُفِظ فيه حين الفيضان، ويطلب من الحاج تقبيله والصلاة فيه، وفي زاوية أخرى في هذا المسجد يقولون: وَقَفَ إبراهيم الخليل بعد انتهائه من بناء الكعبة ليؤذّن في الناس بالحجّ، وفي بقعة مغطّاة بالرّمل الأبيض يقف الحجّاج للدّعاء ثم يصرخون بأسماء أعزّ النّاس عليهم في بلادهم ليتمكّنوا من الحجّ في المستقبل، وفي أعلى الجبل حفرة لحفظ الماء يزورها النّاس ظنّاً منهم أنها قبر آدم، ثمّ قيل لهم: أنّها المكان الذي استقرّت عليه سفينة نوح، ثم صارت مكاناً لخرافة أنّ من أكل عندها رأس خروف مشويّ فلن يصيبه الصّداع طول حياته).
(ويروون عن جبل النّور أنّه حذّر الرسولَ من عدوّه القريب منه).
(وفي هذا الجبل – مقابل بعض المال – تُجْرى عملية لتطهير القلب تذكارا لما ورد في السّيرة من شقّ صدر النبي؛ فيوضع قليل من التمر على صدر الحاج وفوقه رغيف ثمّ يُقْطع الرّغيف نصفين مع التّمتمة بسم الله الرحمن الرحيم).
قلت: وفي هذا الكتاب تفاصيل دقيقة عن الحياة السّياسية والاجتماعيّة في مكّة لا يهمّني ذكرها، وللرّاغب في معرفتها البحث عنها.
والحمد لله الذي أزال السّيّئات عن بلده الحرام وما حوله بدعوة الشيخ محمد بن عبدالوهاب وتلاميذه وبسيوف آل سعود ونسلهم أسكنهم الله الفردوس من الجنّة جميعاً، وأوزعنا شكر نعمته، وختم لنا بالصالحات من الأعمال وبمغفرته ورحمته وإحسانه.

كتبه/ سعد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين، تعاونا على البر والتقوى وتحذيرا من الإثم والعدوان. مكّة المباركة - 1436/2/6هـ.

الجمعة، 28 أغسطس 2020

بدعة الانشغال بالإعجاز الظني عن التدبر اليقيني للشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصين رحمه الله تعالى

بدعة الانشغال بالإعجاز الظني عن التدبر اليقيني للشيخ سعد بن عبد الرحمن الحصين رحمه الله تعالى

بسم الله الرحمن الرحيم

كتب رئيس تحرير جريدة الرياض مقالاً بعنوان: (القرآن بلغة العلم) في العددين 12607 و12608 عام 1423هـ حول فرحته بمنهاج جديد في الدّين دلّه عليه د . (زغلول النجار)، فرأيت تنبيهه وقرّاء جريدته إلى ما يلي:

1 ـ الواجب في مثل هذا الأمر الرجوع إلى وحي الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه وفقه أئمة القرون المفضلة فيه، قال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115].

2ـ د. زغلول هدانا الله وإياه ليس بأوّل من قال على الله بغير عِلْم فقد سبقه (رشاد خليفة) الذي بَهَرَ عقول أشباه العوامّ من المثقفين بادّعائه أنَّ كلَّ سور القرآن تنقسم على رقم19 أو مضاعفاته، وشجّعه ذلك على التّنبّؤ بيوم القيامة، ثم اتُّهم بادّعاء النبوة والانتماء إلى فرقةٍ ضالّة تقدّس الرقم (19) واغتيل.
وقبل ذلك سبقه (الكواكبي ت1320هـ) للابتداع في التأويل.
ثم تبعه الشيخ (طنطاوي جوهري ت1358هـ) في تفسيره (الجواهر).
وكلّ من وَلَغ في تفسير كلام الله اليقيني بالظن في هذا العصر من (الكواكبي) إلى (زغلول النجار) ليس لهم من الإحاطة بشرع الله وبالعلوم الطبيعية ما يعذرهم في القول على الله والانحراف عن منهاج النبوة وفقه القرون المفضلة فيه.

ولكن اثنان من العلماء سبقوا متأخري المفكّرين تجاوز الله عنَّا وعنهم جميعًا؛ فكما فتح (الغزالي ـ ت505هـ) الباب للخلط بين التّصوف والإسلام، فتح الباب للخلط بين الفقه والفكر في فهم نصوص الوحي في كتابه: (إحياء علوم الدين) وكتابه (جواهر القرآن) وتبعه (الفخر الرازي ـ ت 606هـ) في تفسيره (مفاتح الغيب)، والاثنان من أئمة الانحراف في الاعتقاد والتأويل.

3 ـ يُظْلَم العلم الشرعي بدعواكم: أن زغلول النجار: (متمكِّن من العلوم الشرعيّة)؛ فلم يُعْرَف عنه تمكُّن ـ بل ـ ولا اهتمام بالعلم الشرعي ولا دعوة إلى إفراد الله بالعبادة ونفيها عن أوثان المقامات والمزارات والمشاهد التي أحاط بها وأحاطت به أكثر سنوات عمره خلافًا لمناهج كل رسل الله وكل رسالاته، ولا حاول قطّ نشر السنة ولا التحذير من البدع.
أما لقب الدكتوراه في الجيولوجيا فلا يجيز له وأمثاله الاعتداء على تأويل كلام الله تعالى الذي أَسْقَطَ عن مِثْله صفة العلم اليقيني الشرعي وإن كان له نصيب من العلم الظنّي الدنيوي: {وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ * يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآَخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} [الروم: 6-7].

4ـ دعواه: (خَطَأَ حَصْر التّعليم الديني بعلوم فقهيّة محدودة) ودليله: (أن علماء الدين الأوائل فيهم الطبيب والفيزيائي والفلكي) ناتجة عن انحرافه عن منهاج العلم الشرعي وبُعده عن الفقه في دين الله، وبالتالي: وجوب إبعاده عن منابر الإعلام الديني والدعوة إلى الله وبخاصة في بلاد الدعوة إلى منهاج النبوة في الدين والدعوة، فليس بين علماء الأمة المعتدّ بهم في القرون المفضلة طبيب ولا فيزيائي ولا فلكي ولا فيلسوف، وكانوا يحصرون العلم والتعليم الديني في الاعتقاد والعبادات والمعاملات من الوحي في الكتاب والسنة وفقه السلف في نصوصهما، ولم يلتفت المسلمون إلى المهن والفنون التي ذكرها إلا بعد مرحلة الضعف والانبهار بالفكر اليوناني والاهتمام بترجمته ثم النّسج على منواله في الفكر المنسوب إلى الدين.

وما مَثَلُه إلا كَمَثَل سيد قطب تجاوز الله عنا وعنهم جميعًا عندما خُيِّل له (نقص مناهج التفسير في القرون المفضلة لانشغال المفسرين بالأهداف الدينية التي تناولها عن إظهار الجمال الفني في القرآن التصوير الفني في القرآن) ص27، 31، 239، ط9 دار الشروق؛ فاستدرك سيّد قطب النّقص الذي تخيّله في القرون المفضلة؛ فوصف آيات الله وكلماته بالسحر (ص17، و25)، وبالعرض العسكري الذي تشترك فيه جهنم بموسيقاها العسكرية (ص97)، وبما يشبه الشعر (ص102 ـ 105)، وبالفن والتصوير والرسم، وبالتعويذة وما فيها من خفاء وهينمة وغموض وإبهام، وبالمشاهد المسرحية والسينمائية (ص114، 115)، واستعان بموسيقيّ (ص102) ورسّام (ص114) لضبط المصطلحات الفنّيّة في وصفه كتاب الله بِلُغَة اللهو.

5 ـ (الاجتهاد السلفي الواحد) الذي أبدى الكاتب (أسفه لاكتفائنا به) هو وحده الحق، لقول الله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} [الأنعام: 153]، وخطّ رسول الله صلى الله عليه وسلم خطًّا مستقيمًا وخطوطًا خارجة عنه، مبيّنًا أن على المسلم اتباع الخطّ (الواحد) وتَجَنُّب الخطوط الأخرى، وقال الله تعالى: {وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى} [النساء: 115]، وهؤلاء هم السّلف من الصحابة والتابعين وتابعيهم، وهم وحدهم الذين يؤخذ عنهم حتى تتّحد الأمة على منهاج النبوة فلا تتفرَّق بهم سُبُل الفكر عن سبيل الله، وهم الأقرب إلى عصر النبوة وهم أعْرَف باللغة التي نزل بها كتاب الله قبل أن تفرِّق لغة وسائل الإعلام ـ في هذا العصر ـ المسلمين عنها، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”.

6 ـ آيات الكتاب المبين: إمّا محكمة، عرف السلف الصالح معانيها وعملوا بها، ولن يأتي عالم ـ فضلاً عن جيولوجي أو كاتب أو طبيب ـ بخير مما هداهم الله له، وإما متشابهة، فلا يجوز البحث عن معانيها، قال الله تعالى: {فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ} [آل عمران: 7].

7 ـ لقد سبق النصارى إلى مثل هذا الانحراف ـ كالعادة ـ كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم:”لتتبعن سنن من كان قبلكم” متفق عليه، فحاولوا الاستدلال على صحة الإنجيل بموافقته للنّظريّات الكونية، ولما تغيرت النّظريّات سُقِط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلّوا، وأصيب التّديّن النصراني المحرّف بنكسة لم يُفِق منها إلا اليوم إذ قدَّر الله حدوث ما يُسَمّى بالصحوة الدينية لسبب وغاية لا يعلمها إلا الله.

وآخر ما أطّلعت عليه في هذا الطريق المعْوَجّ استدلال اليهود على صحة التوراة بما ظهر من التنقيب في وادي الأردن مبيّنًا أن ثمن الرّقيق في عهد موسى موافق لما نُصّ عليه في التوراة المحرّفة.

والظن بأن اليهودي الذي ذكره الكاتب (سيغيّر من ثوابته العدائية للإسلام) إذا ادّعى زغلول النجار أن رقم سورة الحديد في المصحف 57 هو الوزن الذري للحديد، وأن آخِرَ آيةٍ في السورة مع البسملة هي العدد الذّرّي للحديد ـ كما ذُكِر في المجلّة العربيّة عدد 296 ـ إنّما هو الوهم والإثم، ولكن قد يُرضي اليهود والنصارى متابعة المسلم لهم في تحريف كتاب الله بتأويله بما يخالف سبيل رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته وتابعيه رضي الله عنهم؛ قال الله تعالى: {وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ} [البقرة: 120].

وتأويل زغلول النجار قوله تعالى: {وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ} [النمل: 88]، مجرّد ترديد لما قاله مصطفى محمود وأمثاله لا يقوله عالم بكتاب الله، ولو قرأ الآية قبلها لَعَلِمَ أن ذلك في الآخرة: {وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ} [النمل: 87]. والآية: {يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا * وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا} [الطور: 9 - 10]، والآية: {وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ} [الكهف: 47].

وقبل أن (يشيع أن الأرض كرويّة) اتضح لعلماء التفسير واللغة المعتدّ بهم بل لطلاب العلم: أن للشمس كل يوم مطلع ومغرب، وفسروا به ذكر المشارق والمغارب جَمْعًا وتثنيةً وإفرادًا، فكلّ ما يقوله (زغلول) إنَّما هو مِنْ زخرف القول وغروره، إضافة إلى ادّعاءاته التي تبهر الصحفيين والعوام وأشباههم فينشرونها دون تثبّت عن (عدد الذين أسلموا) لمـَّا سمعوا تفسيرًا يهجر يقين الوحي ويأخذ بظن الفكر العلماني، وعن العالم الأوروبي المجهول في (ذكر الشواهد القرآنية عن علم الأجنّة).

وكفى بالمسلم ضلالاً تفسير اليقين الإلهي بالظّنّ البشري من غير مسلم أو من مسلم جاهل بشرع الله..
لا أشكّ ولا أشكّك في نيّته وأمثاله، ولكن من الواضح أن الشيطان يركبهم مطايا في الصدّ عن التدبرّ الذي أُنزل كتاب الله لأجله: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آَيَاتِهِ} [ص: 29].

8 ـ لا يجوز المساواة بين الشيخ (علي الطنطاوي) رحمه الله وبين (د.زغلول النجار)، فالأول ـ خلافًا للثاني ـ عالمٌ بشرع الله وداعٍ إلى الله على بصيرة ومعروف بصحة المعتقد وصحة العبادة، ومهنته القضاء الشرعي والدعوة، وهوايته الأدبية لم تخرج به عن منهاج النبوة في الدين والدعوة فيما يتعلق بأصول الدين، ولم يأت بجديد في المنهاج ولا في الوسيلة، ولكن الله وهبه لسانًا وقلمًا يذكّر بمزامير آل داود يجذب القارئ والمستمع إليه.

ولا جديد في الدين منذ انقطع الوحي بموت محمد صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة قال الله تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا} [المائدة: 3]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: “تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنّتي” وقال: “عليكم بسنّتي وسنّة الخلفاء الراشدين المهديّين من بعدي، عَضُّوا عليها بالنّواجذ وإيّاكم ومحدثات الأمور، فإنّ كلّ محدثة بدعة وكلّ بدعة ضلالة”.

وقبول الفكر الجديد المنحرف في التأويل استدراك على الله وعلى شرعه واتّهام لرسوله بالتّقصير في البيان واتّهام لخيار أمته بالتّقصير في الفقه.

9 ـ هذا الفكر المنحرف في التأويل ـ مع افتراض حسن النية ـ تسويل من النفس ووسوسة من الشيطان لصرف الناس بالفكر عن الوحي وبالظن عن اليقين وبالفنون الدنيوية عن علوم الشريعة وعلمائها، وصرف للناس عن الإيمان بالغيب إلى الإيمان بالشهادة والله أعلم بما يُصْلح عباده قال الله تعالى: {وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآَيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ} [الإسراء: 59]، وقال الله تعالى: {إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ} [الشعراء: 4].

10 ـ ظنّ (أحمد ديدات) قبل (زغلول النجار) تجاوز الله عنهما أن إحاطته بالإنجيل تغنيه عن الإحاطة بشرع الله ومنهاج نبيه في تبليغه، وظنّ كثيرٌ من الصّحفيّين والعوامّ، وظن أشباههم من طلاب العلم أنّه آتٍ بما لم تستطعه الأوائل، ولم يسألوا عن اعتقاده ولا عن مدى التزامه بالسنة في الدين والدعوة ومخالفته لأعدائها، وخالف نصوص كتاب الله وأوامره تجاوز الله عنه في مجادلة أهل الكتاب خاصة: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [العنكبوت: 46]، وغيرهم عامة: {وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} [النحل: 125]، {وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ} [الأنعام: 108]، وكانت النتيجة أن تحرّك مناظروه من النّصارى للردّ عليه وعلى دين الإسلام فاتّهموا كتاب الله بالتناقض والرّكاكة وألّفوا سُوَرًا يدّعون أنها مثله ردًّا على اتهامه الإنجيل بمثل ذلك.

لم يقع (زغلول النجار) في المجادلة بالأسوأ ولم يقع (أحمد ديدات) في التأويل المنحرف فيما أعلم، ولكنَّ كلاًّ منهما خالف ما يسمّيه تركي السديري (الاجتهاد السلفي الواحد) ويسميه أهل العلم: صراط الله المستقيم: نصوص الوحي بفهم أئمة السلف، وهو وحده الذي يتّحد به المسلمون وبدونه يتفرق المسلمون على دين الله ووحيه وكلماته بِتَفَرُّق وتعدّد واختلاف المعايير الفكرية: {كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ} [المؤمنون: 53].
والله ولي التوفيق.


كتبه/ سعد بن عبد الرحمن بن عبد العزيز الحصين تعاونا على البر والتقوى وتحذيرا من الإثم والعدوان.